متصدر

بيكنباور وبنعطية وآخرون .. الهجوم مكسب والدفاع بطولة

بيكنباور وبنعطية وآخرون .. الهجوم مكسب والدفاع بطولة

تحليل: أحمد مختار

الدفاع خير وسيلة للهجوم، ويجب أن ندافع جيداً حتى نصل إلى المكسب، والهجوم من الممكن أن يساعدك في الفوز بمباراة، لكن الدفاع هو القيمة التي تجعلك أقرب إلى البطولات. هكذا يتحدث الخبراء والنقاد عن أهمية الخط الخلفي في كرة القدم، وكيفية توظيف المدربين للمدافعين من أجل الوصول إلى منصات التتويج في نهاية المطاف.

ومع بزوغ نجم أحد اللاعبين العرب في هذا المركز، يجب علينا أن نسلط الضوء على مركز “الليبرو” الذي ساهم كثيراً في تطوير نظريات الدفاع في عالم المستديرة، منذ بدايات اللعبة بشكل فعلي في أوائل القرن الماضي، حتى تطور الخطط وأساليب اللعب في السنوات الأخيرة.

– صاحب الجنسيتين

1

وصل المنتخب الإيطالي إلى ذروة المجد مبكراً في ثلاثينات القرن العشرين تحت قيادة المدرب الخبير فيتوريو بوزو، الذي قاد الأزوري إلى بطولتين لكأس العالم ليصبح أحد أعظم الأسماء على مر تاريخ اللعبة.

وجد بوزو ضالته في اللاعب لويزيتو مونتي، قصة مونتي غريبة بعض الشيء، هو في الأصل أرجنتيني وشارك مع منتخب بلاده في بطولة كأس العالم لعام 1930 ولكن بعد انتقاله الى يوفنتوس عام 1931 لعب لصالح المنتخب الايطالي لذلك هو شارك في كأس العالم لصالح منتخبين مختلفين .

مونتي أصبح لاعب الوسط المتأخر الذي يبدأ الهجمة ويمرر الى الأمام مباشرة ويعود للتغطية الخلفية. لاعب وسط يعود بين ثنائي الدفاع كي يراقب المهاجم الصريح للخصم وأثناء الاستحواذ على الكرة يتقدم قليلاً الى الارتكاز ويمرر الى الأمام. دور عرف في التكتيك الايطالي باسم Centro-mediano، أي اللاعب الذي يتحرك بين الدفاع والهجوم، يعود للخلف ليصبح آخر لاعب بالملعب، ويصعد للأمام أثناء الإستحواذ ليبدأ الهجمات.

كان مونتي بمثابة مشروع حقيقي لفكرة اللاعب “الليبرو”، أي المدافع القادر على قيادة الفريق من الخط الخلفي، وتجده دائماً في أكثر من مكان داخل الملعب، لذلك كان لويزيتو مونتي أول مشروع حقيقي للمدافع الذكي في كرة القدم.

– القيصر

2

ومن مونتي إلى فرانز، القيصر الألماني الذي حكم السبعينات وتفوق على أعتى الأسماء الهجومية في فترة ذهبية على كرة القدم. وأبدع بيكنباور في قيادة بايرن وألمانيا من موقفه بخط الدفاع، ليصبح أول “ليبرو” حقيقي في تاريخ الكرة بالمعنى الشامل للكلمة.

بيكنباور لعب نهائي كأس العالم 1974 كصانع لعب متأخر من العمق، مركز الديب لاينج الذي يلعب فيها بيرلو وتشافي وبوسكيتس الآن، هو ذلك اللاعب الذي يستلم الكرة أمام مرماه ويُخرجها بشكل سليم إلى المهاجمين والأجنحة في الثلث الهجومي الأخير.

يضغط لاعبو المنتخب الهولندي لكن فرانز بمهارته وعبقريته يخرج من المأزق بتمريرة طولية محكمة أو لعب تمريرة إلى زميله ثم الجري إلى الأمام لكي يستلمها فيما يعرف بالـ One-two Pass.

لذلك حصل القيصر على شهرة قوية، ليس فقط بسبب أدائه الدفاعي المنضبط، بل لقدراته الهجومية المميزة على صعيد التمرير والضغط والصعود للأمام دون أدنى رقابة، من أجل مباغتة الخصوم، كما فعل مع منتخب ألمانيا في كأس العالم.

– الألفية الجديدة

3

ترك راقصو السامبا كرتهم الجملة وإختاروا الدفاع أولاً ثم الهجوم، لذلك لعب المدرب لويس فيلبي سكولاري بتكتيك متحفظ بعض الشيء خلال كأس العالم 2002 في كوريا واليابان، وآمن بالحفاظ على مرماه من الهجمات ثم ضرب الخصوم مستغلاً المهارات العظيمة للثنائي ريفالدو ورونالدينيو، والقدرات التهديفية الفتاكة للظاهرة رونالدو، أعظم 9 في تاريخ اللعبة.

لعبت البرازيل بطريقة لعب 3-4-2-1، روني وريفالدو صناع لعب ورونالدو مهاجم متقدم، مع الثنائي كليبرسون وجلبرتو سيلفا في عمق الارتكاز، كارلوس يسار وكافو يمين، مع الدفع بثلاثي دفاعي صريح، روكي جونيور، لوشيو، وأحد نجوم البطولة إدميلسون.

ونجح إدميلسون في لعب دور “الليبرو” كما يجب أن يكون، أي الظهير القشاش الذي يصبح لاعب دفاعي ثالث أثناء فقدان الكرة، يقوم بالتغطية على زملائه ويحمي مرماه من المهاجمين، وفي حالة الإستحواذ على الكرة يتقدم اللاعب للأمام ويصبح خط وسط ثالث صريح رفقة ثنائي الإرتكاز، هكذا فعل إدميلسون ليقود البرازيل رفقة الثلاثي الناري إلى كأس العالم بعد الفوز على الألمان بهدفين.

– فخر العرب

4

اختار الاتحاد الأوروبي النجم المغربي المهدي بنعطية مدافع بايرن ميونيخ الألماني ضمن قائمة 40 لاعبا مرشحا للوجود في التشكيلة المثالية في أوروبا هذا العام. ويمكن لجماهير كرة القدم إختيار أفضل 11 لاعب ضمن الكرة الأوروبية للموسم الحالي 2014، ووضع بن عطية في التشكيلة، خصوصاً أنه العربي الوحيد بقائمة الشرف.

يلعب المدرب الإسباني بيب جوارديولا بخطة تكتيكية رفيعة المقام هذا العام، ويقدم عمل فني مختلف وعميق رفقة النادي البافاري، وحينما يتم سؤاله عن إسم الخطة التي يلعب بها، فإنه يقول:”نحن لا نلعب 4-4-2، ولا 4-3-3، ولا 4-2-3-1، وذلك بسبب إستحالة تحديد الطريقة لقدرة اللاعبين على التحركات المستمرة والتمركز المثالي، وهذا هو سر قوتنا حتى الآن”.

ويدين الفيلسوف بالكثير إلى النجمين تشابي ألونسو والمهدي بنعطية، بعد قدومهما إثر إصابة الإسباني خافي مارتينيز بالرباط الصليبي مطلع الموسم الحالي، وأعطى الثنائي ديناميكية أكبر لتشكيلة بايرن بسبب القدرة على أداء المهام المطلوبة على الصعيدين الهجومي والدفاعي في آن واحد.

يلعب جوارديولا بألابا -قبل الإصابة- كمدافع مائل لليسار، وبواتينج كمدافع مائل لليمين، أما المهدي بن عطية فيصبح هو المدافع الثالث الحر بين الثنائي، لاعب يقوم بالتغطية الخلفية ويتحرك لتصحيح أخطاء زملائه، مع مقدرة على كسر هجوم المنافس، إما بالعرقلة المشروعة أو توقع طريقة التمرير.

مهام بنعطية تحتاج إلى مدافع بدرجة لاعب كرة قدم، أي أنه لا يكتف فقط بالشق الدفاعي العادي، بل يصعد بالكرة إلى الأمام ويصبح لاعب ارتكاز عند الحاجة من أجل مساندة ألونسو في العمق، وحينما يصعد النمساوي ألابا إلى الهجوم يتحول المهدي إلى دور المدافع الصريح رفقة بواتننج، ويلعب الدور القديم الذي قام به مع روما كمدافع حقيقي في طريقة لعب 4-3-3.

لذلك مع قليلاً من التركيز وكثيراً من التعلم والصبر والفهم، من الممكن أن يصبح المهدي بنعطية مدافع من طينة أخرى تماماً، ليس فقط ضمن قائمة المميزين، بل يصبح الأميز على الإطلاق مقارنة بباقي مدافعي جيله، لكن الأمر يحتاج إلى عمل كبير وهامش لتصحيح الأخطاء وعدم إرتكاب هفوات قاتلة كما فعل أمام مان سيتي في المباراة الماضية بدوري الأبطال.